الشيخ محمد الصادقي الطهراني

388

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ثم هاروت وماروت وهما ملكان ، كانا يظهران - / بأمر اللّه - / بهيئة الإنسان ببابل فيعلّمون الناس المبتلين بسحر الشياطين سحرا أقوى منه يبطله « وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ » سحرهما النازل عليهما إلا بحجة رادعة قارعة : « إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ » ولكنهم كانوا يبدّلون الحسن سوء والخير شرا ككل من يستعملون نعمة اللّه في نقمة حيث يبدلونها نعمة « فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ » ف « يفرقون به - / دون - / يفرق به » تلمح أن ذلك السحر كان لإبطال التفرق ، وكما يأتي منه التفريق أيضا حسب مختلف استعمالاته ، كما اللسان القادر على الإفصاح قد يوفق بين المتخاصمين وأخرى يفرق بين المتحابين . « 1 » هؤلاء الأنكاد كانوا يستعملون آلة الخير في الضر بالناس ، ويخيّل إليهم أنهم هم الضارون به بعيدا عن إذن اللّه ، حال أنهم - / كضابطة عامة في كل ضر وشر أم خير - / « وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » . أترى اللّه يأذن بتأثير الضر تكوينا ما لم يسمح به تشريعا وهو تناقض ؟ هنا الضر بإذن اللّه ليس إلا بعد تكملة الاختيار من أصحاب الضر والشر ، فلا جبر ولا تفويض

--> ( 1 ) . نور الثقلين 1 : 114 في الاحتجاج للطبرسي عن أبي عبد اللّه عليه السلام حديث طويل وفيه قال السائل له : فمن أين علم الشياطين السحر ؟ قال : من حيث عرف الأطباء الطب ، بعضه تجربة وبعضه علاج ، قال : فما تقول في الملكين هاروت وماروت ، وما يقول الناس بأنهما يعلمان السحر ؟ قال : انهما موضع ابتلاء وموقف فتنة بتشييحهما اليوم لو كان فعل الإنسان كذا وكذا لكان كذا وكذا ، ولو يعالج بكذا وكذا لصار كذا أصناف السحر ، فيعلمون منهما ما يخرج عنهما فيقولان لهم : انما نحن فتنة فلا تأخذوا عنا ما يضركم ولا ينفعكم ، قال : أفيقدر الساحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب أو الحمار أو غير ذلك ؟ قال : هو أعجز من ذلك وأضعف من أن يغير خلق اللّه ، ان من أبطل ما ركبه اللّه وصوره فهو شريك اللّه في خلقه تعالى عن ذلك علوا كبيرا